﷽
لم أعد أفرح باعتماد البلديات أو غيرها من مؤسسات حكومية لأنظمة تشغيل أو برمجيات حرة.
بحثت عن تصنيف لإدراج هذا المقال فوجدته يندرج تحت باب فلسلفة البرمجيات الحرة وأفكارها لكنه مع ذلك قد يكون من باب الأمن الفكري للمعلومات بنقد الأخ الأكبر
.
قضيت سنين في مجتمع البرمجيات الحرة وهو مجتمع يضرب به المثل في كيفية اجتماع الناس والتعاون لنفع الآخرين. وذلك يكون في كثير من الأحيان بتطوع شخصي وإيمان عميق بضرورة رد الجميل وحب الخير للناس، بل وبلغت هذه البرامج الحرة مصاف نافست فيها برامج تقف خلفها شركات عملاقة ذات تمويل عظيم.
مالذي تغير؟
باختصار، الذي تغير هو أنا وربما بعد قراءة ما أكتبه أنت.
باختصار تغير كثير في هذا العالم ورأيت الكثير. أذكر في يوم من الأيام حضرت ملتقى نظمته إحدى البلديات في بلد يقطنه غالبية مسلمة (على الورق على الأقل) وكانوا يحتفلون بدعم البرمجيات الحرة وتحوّل عدد من أنظمتهم إلى استخدام برمجيات حرة وكان ذلك أمراً رائعاً في ذلك الوقت بالنسبة لي. كنت أظن أن الصوت قد وصل وأن القادم أفضل. كانت الصالة جميلة وزعوا على الحاضرين أقلاماً ودفاتر وملصقات طبعت عليها شعار البلدية أو شعار البرمجيات الحرة المستخدمة.
أليس من الجميل رؤية هذه المؤسسات التي “تخدمنا” تقلل من مصاريفها وترسلها إلى فرق محلية للتطوير بدل إرسال أموال الناس إلى شركات احتكارية تزيد من ثروة ملاكها الفلكية؟
علاج الطفل المصاب بالسرطان
قبل أن أدخل في الموضوع سأضرب مثالاً بسيطا. لنقل أن هناك طفلاً مصاباً بالسرطان وكلفة علاج هذا المرض (عافانا الله وإياكم) ضخمة يصعب تحملها. لذا، لحفظ حياة هذا الطفل، على هيئات حكومية أو أهلية أو أفراد تخصيص مبالغ طائلة لعلاجه. لكن هل المال سيذهب للطفل ويداويه؟ لا.
سيذهب المال لصاحب شركة العلاج ولصاحب المشفى وسيذهب جزء منه للطبيب.
الطريق العام
لأضرب مثالاً آخر. هذا الطريق الذي تسير فيه السيارات التي نركبها ونقضي به حوائجنا هل ندفع مالاً للمرور به؟ ومن يتحمل صيانته؟ هل يمكن لهيئة أهلية أن تدير هذه الطرق وصيانتها مقابل اشتراكات أو ربما تبرعات من أهل المدينة الذين يستخدمونه. لو أوصلت شخصاً بقارب من ضفة نهر إلى ضفة نهر آخر ألا يحق لك أن تتقاضى أجراً؟ هل بناء الطرق والجسور مثل ذلك؟
ما هذا الذي تقوله؟
لا تقلق سآتيك بالزبدة. عندما تأتي هذه البلديات وتدعم البرمجيات الحرة أو تستخدمها لإنجاز أو توفير أموال فالسؤال الذي يجب أن نسأل أنفسنا هل سنفرح بفعلها وننسى أن معظم هذه البلديات والأجهزة أخذت مالها أصلاً بغير رضى وطيب نفس من الناس؟ ستقول لي هم يأخذونها من ثروات الأرض أو من الضرائب أو من كذا وكذا..
رسالتي لك بما أنك تؤمن بهذه الفكرة والخيرية في مجتمع البرمجيات الحرة فلماذا ننكر أن مجتمعاتنا قادرة على تسيير هذه المدن بنفس طريقة سير البرمجيات الحرة سواء تطوعاً بالوقت أو مادياً بالدفع لمن يقوم بالعمل دون أن نمد يدنا إلى ما حرّم الله أو المشتبه من المال؟
شركات الدواء التي تحتكر وصفات وتركيبات علاج السرطان وتمنع تقليده بحجة تمويل الأبحاث تبني عقيدتها الاحتكارية على فكرة أن التطوير لن يستمر دون هذه الأموال. لكنك كما ترى أخي فإن كثيراً من أنجح الناس خصصوا من وقتهم لتسهيل حياة الناس في مجتمع البرمجيات الحرة فما بالك إذا كانت المسألة حفظ حياة الإنسان. كيف يمكن لقوانين تدعي أنها تحفظ حق الحياة أن تحمي هذه الشركات وتدعمها؟
كذلك بالنسبة للطرق، قد تفرح بأن طريقاً واسعاً يمر قريباً من بيتك وأن سعره قد يرتفع لكن مقابل النعمة التي حصلت عليها فهناك شخص قد أصبح أكثر فقراً. كيف تضمن توزيعاً عادلاً عندما تكون آلية المنح والمفاضلة مبنية على المحاباة أو الأهواء أو مجرد اجتهادات بشرية؟
قولي في البلديات
لذا لم أعد أريد ذلك القلم ولا الدفتر من تلك البلدية أو غيرها ولا أريد حضور مؤتمراتهم ولا شرب مائهم. سأقول لهم لو أنفقتم هذا المال على أهله لكان أولى. حتى أن اكثر مهمة تشتهر بها البلديات وهي أعزكم الله جمع القمامة يمكن لشركات خاصة بالتفاهم بين الناس أن تتولاها.
ما فائدة أن تخطط لي مدينتي ثم تغرق بالسيول؟ ما فائدة أن تزرع لي شجرة أو تبني لي صرحاً ثم أبتلي بالانفاق عليه طول حياتي؟ لشارع ضيق أمشي به بسعادة أحب إلي من شارع واسع أمشي به حزينا من وظيفة ترهقني كي أستطيع دفع ثمن بيروقراطتيك وغراماتك؟ من يحب البرمجيات الحرة يعرف معنى تحمل المصاعب والمشاق لأجل الحرية.
مالحل؟
علينا أخذ الدرس من مجتمع البرمجيات الحرة فهي كما نجحت في برمجية وخدمة ستنجح في مجتمع ودولة.
ناقش هذه الفكرة معي وأقرأ عنها. أنت كعضو في البرمجيات الحرة كثيراً ما تحاول الخروج من المنظومة Matrix وغالباً قد تحررت من أنظمة مثل وندز ومنصات مثل فيسبوك لكن المنظومة أكبر من ذلك وكل طرف منها له دور مهم في كبح المجتمعات وتقييدها.
الاحتكار والتقييد والسيطرة ليست أفكار شريرة فقط في عالم البرمجيات بل هي في عالم الأدوية والتعليم وغيره. كما أخبروا كثيراً من الناس بأنه لاخيار إلا وندوز وميكروسفت وبرامجها فإنهم أخبرونا بأن كثيراً من الأمور تسير كما يشتهون فقط.
أقترح قراءة كتيب براءة الإسلام من براءة الاختراع والاطلاع على مصادر تتحدث عن المدرسة النمساوية للاقتصاد فهي رغم أنها غير مرغوبة في المنظومة التعليمية الشائعة أو لدى المنظومة الإدارية السائدة فإنها تتألق في رسم طريق لمجتمع حر عزيز والعلم الذي وضعته في المقدمة هو إحدى شعارات محبي هذه الفكرة.
