تجربتي مع قراءة المراجع التقنية

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسعد الله أوقاتكم بكل خير

كثيرًا ما نسمع في الوسط التقني عندما يسأل شخص مبتدئ شخصًا متمرسًا يوصيه:
Read the documentation
“اقرأ المراجع”
خصوصًا في مجتمع مثل مجتمع آرش لينكس، فغالبًا ما يُقابل السائل هناك بهذا الجواب :sweat_smile:

وقد سمعت هذا مرارًا حتى جربت بنفسي تعلّم مهارة قراءة المراجع، فحينما كنت أبحث في الإنترنت عن شرح لإطار العمل “جانقو”، كانت الشروحات تزيدني ضياعًا، فذاك يتكلم وكأن المستمع يعلم أساسيات الإطار، وذاك يكتب ويريد من المتابعين أن ينسخوا كتابته دون بيانٍ وتفصيل، فشعرت أن الأمر معقد، لدرجة أنني أجّلت تعلمها أكثر من مرة.
حتى جاءت اللحظة التي قررت فيها تعلم مهارة قراءة المراجع عمليًا، فوجدت أن الموضوع أيسر مما توقعت.
فقررت تعلم “جانقو” من مراجعه العلمية التي كتبها مطوّروه وأثمر ذلك بحمد الله مشروع تويبل الذي أعتبره من أنجح مشاريعي البرمجية حتى هذه اللحظة بفضل الله تعالى.
فاكتشفت أنها مهارة جميلة جدًا، رغم أنها تبدو صعبة في البداية، لكن عندما تتعلم كيف ومتى وماذا تقرأ بالضبط، تجدها يسيرة سهلة بإذن الله تعالى.

فما هي “المراجع” بشكل عام وفي عالم التقنية والتطوير بشكل خاص؟
وكيف نقرأها ويقدر عدد صفحات بعضها بالآلاف؟
هذا ما سنتعلمه في هذه التدوينة إن شاء الله تعالى

ماهي المراجع التقنية

المراجع التقنية (بالإنجليزي: Documentation) هي:
المصدر الرسمي الذي يشرح كيفية عمل أداة أو لغة برمجية أو إطار عمل، وكيفية استخدامها بشكل صحيح، وقد كتبه مطوّروها أو المساهمون في بناءها
هي بمثال مبسط مثل “كاتالوج” الطابعة الذي من خلاله تعرف كيف تعمل، وما وظيفة كل زر من الأزرار، وكيف تغير الحبر، وكيف تضبط إعدادتها على الورق الذي يناسب احتياجك.

والمراجع في الحقيقة هي المرجع الأساسي لكل المطوّرين، بما في ذلك من كتبوا الشروحات.
فهي مرجع بمعنى أنك ترجع لها عند الحاجة ولا تقرأها كلها من الألف إلى الياء تقرأ فقط مقدار حاجتك، وهذا يأخذنا للمحور الثاني من هذه التدوينة وهو:

كيف أقرأ المراجع التقنية؟

تتألف المراجع التقنية في الغالب على أربعة أقسام

القسم الأول: كيف تبدأ؟ (Quick Start)

Getting Started / Quick Start / First Steps
وهذا القسم يلخص الأداة أو اللغة أو إطار العمل بشكل موجز، ففي مرجع جانقو على سبيل المثال نجده باسم الخطوات الأولى (First Steps) وفيه شرح موجز لركائز الإطار من كيفية إنشاء المشروع إلى إضافة حزم الطرف الثالث (Adding third-party packages) بشكل موجز ومبسط.

ومن تجربتي الشخصية التي سأتكلم عن جانب تعلم جانقو منها فقد استفدت كثيرًا من هذا القسم في مرجعهم بالذات.

وهذا القسم هو الذي أنصح بقراءته كاملًا، فهو يبيّن لك ما هي هذه الأداة أو اللغة؟ ولماذا طُوِّرت؟ وماهي فلسفتها؟ وكيف تُستخدم الاستخدام الصحيح، بالإضافة إلى نصائح وحِيَل نافعة يكتبها من طوّر الأداة بنفسه.

القسم الثاني : الدليل التعليمي (Tutorial)

وفيه يتم شرح كيفية بناء مشروع حقيقي باستخدام الأداة خطوة بخطوة.
والهدف من هذا القسم ليس فقط الوصول إلى النتيجة، بل فهم الطريقة الصحيحة لاستخدام الأداة، وكيف تتكامل أجزاؤها مع بعضها.
والفرق بين “كيف تبدأ؟” و “الدليل التعليمي” أن القسم الأول يُعطيك نظرة عامة سريعة، والقسم الثاني يأخذ بيدك لتبني مشروعًا فعليًا
قسم Getting Started يريك القطع.
أما Tutorial فيريك كيف تركّب هذه القطع معًا لتبني شيئًا كاملًا.

مثلًا في جانقو، قسم “الدليل التعليمي” يجعلك تبني:
تطبيق استطلاع (Polls App)
وفيه تتعلم:
إنشاء models
إنشاء views
ربط قاعدة البيانات
التعامل مع templates
وهنا تبدأ الصورة تتضح شيئًا فشيئًا.

الدليل التعليمي ليس هدفه أن تحفظ الخطوات، هدفه أن ترى كيف يفكّر الإطار أو لغة البرمجة

القسم الثالث: المفاهيم (Concepts)

هذا القسم يُسمى غالبًا “المفاهيم (Concepts)” وأحيانًا تجدهم يسمونه Explanation, Fundementals, Core Concepts إلخ، وكلها تدور في فلك المفاهيم الأساسية.

وقسم المفاهيم هو القسم الذي يشرح لك كيف تعمل الأداة أو الإطار من الداخل، ولماذا صُمِّمَ بهذه الطريقة.
فالفرق الجوهري بين قسم المفاهيم وقسم الدليل التعليمي هو أنّ المفاهيم تُجيب عن “لماذا؟” والدليل التعليمي يجيب عن “كيف؟”

فالدليل التعليمي يقول مثلًا: افعل كذا، ثم كذا
بينما تُجيب المفاهيم: لماذا تفعل هكذا؟ وماذا يحدث عندما تفعله؟
وبالمثال يتّضح المقال، في الدليل التعليمي أنت تكتب:

class Post(models.Model):

لكن في المفاهيم أنت تفهم ماهي Models أصلا؟ ولماذا جانقو يستخدم ORM وكيف يتحول هذا الكلاس إلى جدول في قاعدة البيانات؟

قسم المفاهيم هو الذي يحولك من شخص يتّبع الخطوات، إلى شخص يفهم مايفعله.

من تجربتي الشخصية استفدت من هذا القسم كثيراً في معرفة مفاهيم جانقو، خصوصا ماهيّة views و apps وهيكلة جانقو بالكامل.

القسم الرابع: المرجع (Reference)

هو القسم الذي يحتوي على الوصف التفصيلي الكامل لكل جزء في الأداة أو الإطار، مثل الأوامر والدوال، والإعدادات، ويُستخدم للرجوع إليه عند الحاجة لمعرفة معلومة محددة.

وهذا هو أطول قسم في المراجع التقنية، وهو القسم الذي يجعلك تتخوّف منها في الحقيقة، فلا بد من توضيح أمر مهم جدًا وهو أن هذا القسم تحديدا لا ينبغي أن يُقرأ كاملًا، بل قراءته كاملًا ستضيّع عليك وقتك لأنك ستقرأ ما تحتاج وما لاتحتاج لأن الأداة صُممت لتلبية أكبر نطاق من احتياجات المطورين.
والفرق الجوهري بينه وبين بقية الأقسام

  • Quick Start لتبدأ
  • Tutorial لتتعلم البناء
  • Concepts لتفهم كيف تعمل الأداة أو الإطار
  • Reference لتبحث عن معلومة محددة ولذلك نشبّهه بالقاموس فأنت لا تقرأ القاموس كاملًا، لكن عندما تحتاج كلمة تعرف أين تبحث عنها في القاموس

أخطاء شائعة عند قراءة المراجع

من الأخطاء الشائعة عند كثير من الناس أن المراجع يجب أن تقرأ من البداية وحتى النهاية، وهذا خطأ كما ذكرنا، بل تقرأ القسم الذي تحتاجه
ومن الأخطاء أيضًا عدم تطبيق ما تقرأه، خصوصا في قسم كيف تبدأ لأن الكتابة هنا تساعدك على ترسيخ المعلومة، وتمرين العقل عليها

أمثلة على مراجع تقنية

خاتمة

وفي ختام هذه التدوينة، أود أن أؤكد أن المراجع التقنية لم تعد بالنسبة لي ذلك الشيء المعقّد الذي كنت أتجنبه في بداية رحلتي، بل أصبحت من أهم الأدوات التي أعتمد عليها في التعلم والفهم.

فالمراجع ليست كتابًا يجب إنهاؤه، ولا اختبارًا يجب اجتيازه، بل هي دليلٌ كُتب لتعود إليه عند الحاجة، يوضح لك الطريق، ويمنحك الفهم الصحيح من مصدره الأصلي.

قد تبدو المراجع طويلة ومخيفة في البداية، وهذا شعور طبيعي، لكن مع الوقت، ومع الممارسة، ستصبح المكان الأول الذي تلجأ إليه عندما تريد تعلم شيء جديد، أو فهم أمر لم يتضح لك.

ولعل أفضل نصيحة يمكن أن أختم بها هي: لا تخف من المراجع، بل ابدأ بها، وتعلّم كيف تستخدمها، فبإذن الله ستكون من أعظم الوسائل التي تعينك في رحلتك التقنية، كما كانت سببًا - بعد فضل الله - في كثير مما تعلمته ووصلت إليه.

أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما تعلمنا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.
وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبة أجمعين

محمد

مصدر التدوينة مدونتي الشخصية

4 إعجابات