كنت قد كتبت فيما سبق مفاخرة بين صاحب الوندز وصاحب اللنكس نسجتها كما كانت مفاخرات العرب بين الصيف والشتاء، والغنم والبقر، والماء والهواء، فَجَلَّتْ حديثًا مُظَرَّفًا يُخَفِّفُ عن المهموم وينتفضُ له العصفور، ولا يَعْدَمُ الفائدة، وكان قد طلب مني أحد قارئيها أن أكتب مفاخرة بين توزيعات لنكس على هذا النحو فنزلت عند رغبتهم عسى أن تكون هي غاية المقصود
وفي اليوم الثاني تفاخر قوم لنكس متأثرين بالتفاخر الأمسي، وكانوا ستة نفر: صاحب السهام، وصاحب الدبِيان، وصاحب فيدورا، وصاحب الأُبِنتو، وصاحب مانجارو، وصاحب الكالي.
قال صاحب السهام: أما سهام لِنِكس ففخر لكل سهّام، أفلا تراه يتغنى في كل مكان أن عنده السهام، مُنقطع النظير، طريق من أراد التفرد وسعى لمَصافي الصفوة، تعيبون عليه الصعوبة وهذا لا يعيبه فلا بد له من حازم يبتغي الرفعة في علم الحاسب ونيل الحرية الحقة، ما هو لكل من هب ودبّ، ومبدأنا البساطة لا اليُسر؛ وبينهما فرق لا يعرفه إلا فطين، عندنا كل جديد، ومستودع السهّامين أُر فيه من البرامج ما لن تجده عن غيرنا من ركن للقرار وفضله على السعي الدائم للتجديد.
فقال صاحب الدِبيان: “يا متكلفًا يا متعالي! إنك وإن كان سهمك يُصيب، فلا تعرف الرفق بالصغير، إن سألك: سخرت منه وقلت: ابحث بنفسك، جعلت الحاسب لك ولرهطك فأنبتت فيهم الكبر والغرور، أما أنا فالتاج الذي تتوارثه الأجيال، والمنارة التي يستنير بها البحّار، وليس في قراري عيب بل هو عين التأني، فلا أجدد حتى أتحقق السلامة فلا أنال الحسرة والندامة، لذا استند عليّ أهل الورع والحكمة، فلا تغرنك شدتك، فالشدة في موضع اللين ضعف”
فلما سمع صاحب فِدورا قولهما ضحك منهم وقال: أنتما مُفَرِطُ ومُفْرِط. أما أنا، فجمعتُ بين محاسنكم فلا أتهور وأتجرأ على كل جديد ولا أتأخر وأبقى في القديم، أخُيرك عند التثبيت لكن أسمح لك بالتعديل عليها بعد حين، ومُحزمي دنف يجمع بين أَبت دِبيان وباكمان السّهام.
فقال فيهم صاحب أُبُنتو: رويدكم، رويدكم! أنتم إما مُتهور أو كسول أو متقلب مزاج وكلكم أناني لا يفكر في غير نفسه، لذا غفلتم عن أمر عامة الناس فعامة الناس لا يريدون أن يضيعوا في التجريب، ولا يسعون للعلو في صنعة الحاسب، لا يُفكرون بل يُقلدون وهذا ما جعلهم يتجنبونكم فأنتم تعقدونها عليهم، أما أنا فأُيسرها، لا أعقد الأمور، ولا أُرهق العقول، فكنت خير بداية لمن كان في ضلاله القديم من أهل الوندز الخبيث، وبُنيت علي توزيعات شتى كلها تتسم بالبساطة مثل كبُنتو واكسبُنتو ونعناعة لنكس وغيرها.
فقال له صاحب مانجارو:إنك تدلّل جماعتك فتفسدهم، ومن تعوّد على الراحة معك، خارت قواه إذا فارقكِ. أما أنا فوسطٌ بين الشدة واللين، لا أُتعب مريديَّ كما تفعل السهام، ولا أتركهم يغطّون في السهولة كما تفعل فمن تبعني وحمل رايتي وازن بين الأمرين.
فلما أدلى كل بدلوه وقال كل قائل قوله صرخ فيهم صاحب الكالي: اغربوا عن وجهي فلا أحدٌ منكم أهل للمُفاخرة. فما أنتم إلا ملعبة للصبيان وأنا لست للهو، ولا يُلجأ إليّ إلا في الأمور العظام. أنا سيف المُخترق، درع المُحترف لا يأويني إلا من رام كشف المستور، وسبرَ أغوار الخفايا، من أراد أن يعرف، لا من أراد أن يلعب. أما عامة الناس، فلا أريدهم ولا يريدونني ولا حاجة لي بهم.
فارتفعت الأصواتُ، وعلا الجدلُ، وماجَ المجلسُ، حتى دخل عليهم شيخٌ ورآهم على هذه الحال فخطب فيهم: كفى جدلاً فلكل بضاعة مشترون، ولكل عمل رجال، وكلكم عنده حجة ودليل، فتكافؤ الأدلة يفصل بينكم، فمن رام القوة فالسهم سلاحه، ومن رام القرار فعنده دِبيان، ومن رام التجديد فليُقبل على فيدورا، ومن ابتغى السهولة، فليكن في ظلال أُبُنتو، ومن أراد الجمع بين اللين والشدة، فمانجارو داره، ومن سلك دروب الأمن، فليلتحق بكالي. والناس فيما يحبون مذاهب، فدعوا لهم الاختيار.
فكلٌ سكت ورضي بجواب الشيخ وانتهى الخصام على خير.